منتدى شخصيات الكتاب المقدس دراسة مستفيضة تتناول كل شخصية من شخصيات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، مع محاولة التركيز على جانب الفضائل فى حياة كل شخصية محل الدراسة والعرض.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-27-2009, 05:10 PM   #1

†† خادم المنتدى ††

مريض بركة بيت حسدا
( المخلع )

مقدمة
جاء في قصة خيالية، أن رجلاً أدنى إلى أذنه بذرة من بذور أشجار البلوط، وسمعها تقول: يومًا من الأيام سأكون ألواحًا قوية تمخر عباب البحر، ولا تبالي بالأمواج العاتية، أو أكون سقفًا يحمل الثقل فوقه بصلابة كاملة، أو سأدخل في إقامة الكثير من المؤسسات والمنشآت وغيرها مما يحتاج إليه الإنسان، وقال لها الرجل السامع: ما هذا الذي تقولين أيتها الحبة الصغيرة، وكيف يمكن أن يكون هذا؟ وجاء الجواب: أنا والله نفعل هذا كله!! هذه هي الحقيقة التي نبصرها كبشر وهي جديرة بالتأمل العميق الصحيح!! إن الإنسان في حد ذاته، لا يزيد عن بذره البلوط، التي لا تستطيع أن تصنع شيئًا من ذاتها، حتى ترتبط بالقدرة الإلهية التي تصنع كل شيء، أو هو في لغة أخرى أشبه بعصا موسى التي ظلت حتى بلغ الثمانين من عمره لا تصنع إلا ما يصنعه بها الإنسان العادي، لكنها تحولت مع القدرة الإلهية إلى عصا المعجزات، وأضحت هي موسى، الذي أصبح عصا الله وأداته في العمل الجبار العظيم، ولعل موسى أدرك في كل ما فعل، أنه لا يزيد عن كونه العصا التي تحركها اليد الإلهية، عندما نذكر هذه الحقيقة، يظهر أمامنا سؤال من أضخم الأسئلة التي تواجهها الحياة البشرية، وهي ما هي الرابطة بين إرادة الله وحرية الإنسان، وكيف نربط هذه بتلك!!؟ إذا أردنا أن يأتي إنسان إلى العالم، إن هذا لا يمكن بأي حال من الأحوال بغير الإرادة الإلهية!!؟ لكن هذه الإرادة في جلالهاومجدها العظيم لا يمكن أن تحقق هنا الأمر دون أن يكون هناك رجل وامرأة تربطهما الإرادة الإلهية معًا، وتحقق بهما ومعهما هذا!! هنا مريض وجه إليه السيد المسيح السؤال - يرغب أن يصنع المعجزة العظيمة في حياته - : «أتريد أن تبرأ»!!؟ وقد أراد السيد بذلك أن يربط الإرادتين معًا ليصنع المعجزة والأعجوبة!! وقصة الرجل - من هذه الزاوية - تعطينا ثراء كبيرًا لو أحسنا التأمل فيها.. ولعلنا نستطيع أن نراها فيما يلي:





  رد مع اقتباس
قديم 03-27-2009, 05:13 PM   #2

†† خادم المنتدى ††
افتراضي

المسيح يثير في الرجل إرادة الشفاء

قال المسيح للرجل: «أتريد أن تبرأ»!!؟ وهو سؤال يبدو غريبًا عجيبًا إذ أن وجود الرجل في ذلك المكان دليل على رغبته في أن يبرأ!! غير أن السيد المسيح أثار هذا السؤال لأنه أهم سؤال كان الرجل يحتاج إليه، ويلزم أن يتبلور في ذهنه، ويشد أعصاب إرادته بكل ما يمكن أن تكون عليه هذه الأعصاب من قوة وتحفز!! قد نقول إن كل مريض يرغب أساسًا في الشفاء، وكل مريض يتمنى أن تنتهي آلامه وتعاساته ومتاعبه التي تأتي من المرض الذي يعانيه، ولكننا نحب أن نفرق بين «الإرادة» وبين «الرغبة» أو «التمني» أو ما أشبه.. كل إنسان يرغب أن يكون غنيًا أو قويًا أو مبتهجًا أو سعيدًا، ولا نظن أن إنسانًا يرغب العكس أو يتمنى أن يعيش على ما هو عليه من آلام ومتاعب، ولكن شتان بين الرغبة والإرادة، إن الرغبة في الخيال البدائي، هي الصور التي ترسمها أحلام اليقظة، والتي تقص على الأطفال، أو يقرؤها المعذبون في خيالات ألف ليلة وليلة، هي ذلك الخاتم السحري الذي يدعكه الإنسان، فإذا بالعبد العملاق الجبار طوع البنان ورهن الإشارة، ينقل الطالب في دقيقة واحدة إلى آخر الدنيا أو يأتي له بالمائدة الحافلة، أو ينجز طلباته بيسر ما بعده يسر، وهي خيالات في الحقيقة يمليها عذاب الإنسان الذي أسره الواقع البغيض، والذي لا يجد منه نجاة أو فكاكاً، أما الإرادة فهي شيء آخر، هي الخيال والأمل والرغبة مضافًا إليها الجهد والحركة وبذل كل ما يمكن عمله، حتي يتحول الخيال إلى واقع، والتمني إلى حقيقة ملموسة فإذا حللنا مريض بركة بيت حسدا، تبين لنا أنه كان يملك الرغبة، ولكنه لم يكن يملك الإرادة، وكان لابد أن يسأل السيد: أتريد أن تبرأ!!؟ كانت أول صفة - على الأغلب - عند الرجل، أنه الإنسان الذي لا يبالي، هو بعض أولئك الذين يعيشون في الحياة ولا فرق عندهم أطابت أم ضاعت.

بدأ الرجل حياته بخلاعة وتهتك لا يعرف شيئًا اسمه الاعتدال، وقد جاء مرضه نتيجة إدمانه الشر وعدم الاحتراس منه، ومن ثم احتاج إلى قول السيد: «ها أنت قد برئت فلا تخطيء أيضًا لئلا يكون لك أشر» (يو 5 : 14) وهي كلمات لا يمكن أن تقال إلا للمستهتر الذي لا يبالي بالنتائج على الإطلاق، ويظهر هذا بوضوح في موقف الرجل من المسيح، الذي شفاه، ومع ذلك قيل عنه: «أما الذي شفى فلم يكن يعلم من هو. لأن يسوع اعتزل إذ كان في الموضع جمع» (يو 5 : 13) وشتان بين هذا الرجل، وبين المقعد الذي شفاه بطرس عند باب الجميل: «وبينما كان الرجل الأعرج الذي شفى متمسكًا ببطرس ويوحنا تراكض إليهم جميع الشعب إلى الرواق الذي يقال له رواق سليمان وهم مندهشون» (أع 3 : 11).. كلاالرجلين نال الشفاء، ولكن مريض بيت حسدا نال الشفاء دون أن يتمسك أو يتلق بشافيه، ومهما كانت رغبة المسيح في الاعتزال إلا أن المخلص الذي أنقذه بعد ثمان وثلاثين سنة، كان لا يمكن أن يفلت بعيدًا عن عينيه، لولا أنه كان من الصنف الذي لا يبالي بالمنقذ أو المخلص أو الصديق... بعد أن نال الشفاء وقام إلى الحياة والحركة بين الناس، كان من أبسط ما نتوقعه أن يتمسك هذا الرجل بالسيد كما تمسك الآخر بالرسولين! بل من المتصور جدًا أن الرجل كان وصوليًا، وعندما عرف المسيح ذهب وأخبر عن السيد لا لأنه يريد أن يعطيه مجدًا بل لعله كان خائفًا من كسر السبت، ويريد أن يحمل المسئولية كلها ليسوع المسيح!! وهو رجل يمكن أن تضيف إلى هذا كله أنه ربما يأس من فرط المرض الطويل الذي استمر ثماني وثلاثين سنة، وهو رقم مخيف، ليس من السهل تصوره، وهو مثل لتعاسة الإنسان في الأرض، هذا المرض كان لابد أن يترك أثره العميق الغائر في ذهن الرجل وطباعه، إذ يقتل فيه الإرادة الحرة المتحركة النشطة، ويستبدلها بذهن متبلد، يركن إلى التواكل والضعة، فهو يعيش على الفتات الساقط من أيدي المحسنين، أو الذي يزورنه إلى جانب المرضى الآخرين، بهذا يجد لقمته التي تمسك عليه رمق الحياة، إن كان وجوده في الدنيا على هذا الوضع يمكن أن يوصف بالحياة، وفي الأغلب إن عذابات الرجل جلعته يضيق بالحياة نفسها أو يعيش حاقدًا على كل شيء، على الحياة، والناس، والنفس فهو منبوذ مكروه من الناس، وهو يكره الناس جميعًا، ولا سيما عندما يرى غيره يهبط إلى البركة مغتنمًا تحريك الماء، وهو ليس له إنسان يلقيه فيها، إذ هو المشلول الذي فقد الحركة فلم يستطع منافسة الآخرين فيها، مثل هذا الإنسان الذي ران عليه صدأ الحياة، وانهال عليه ترابها من كل جانب. كان حاجته الأولى الملحة، قبل الشفاء، إيقاظ معنى الشفاء في نفسه، إذ كان لابد أن يكون السؤال الصحيح: أيها التعس المريض، هل تحولت تعاستك إلى «عادة التعاسة» إن صح التعبير، وهل بكيت في الحياة، إلى أن يتحول البكاء «نغمة الحياة» عندك، وهل ركنت إلى الأرض، إلى أن أصبحت الأرض فراشك الذي لا يتغير، ولا تروم عنه تحركًا أو بديلاً، أو بعبارة أخرى هل تجمدت الحياة عندك، فأصبحت كتلة جامدة في الحياة انترعت منها إرادة الحياة، فلم تعد سوى الوجود بلا إرادة!! نحن لا نستطيع أن نعرف الحقيقة الرجل قبل أن ندرك أنه الصورة المخيفة التي تفعلها الخطية، عندما تميت الحياة وتترك صاحبها بليد الذهن والعاطفة والإرادة،

رسم هوجارت المصور صورة أطلق عليها «البيت اللاعب» وفيها نرى جماعة من الناس جالسين بوجوه كالحة يلعبون القمار حول المائدة الخضراء، بعضهم أخذته سكرة الربح، والبعض الآخر يأس الخسارة وقنوطها، وإذا بالنار تشب في المنزل، وترتفع ألسنتها إلى السقف، وإذا بحارس الليل يقول: النار النار!! وإذا بهم جميعًا - مع ذلك - لا يرعوون أو يتحركون!! أيتها النفس التي استبد بها المرض، وسيطر عليها اليأس، إن سؤال المسيح الأول لك : «أتريد أن تبرأ»!!؟ أم أنت مستكين إلى وضعك، كما يستكين الميت إلى حفرة في الأرض، لا ينتقل أو يتحرك منها لأنه لم يعد يعرف معنى كلمة الانتقال أو الحركة، بل لم يعد يسمعها!!





  رد مع اقتباس
قديم 03-27-2009, 05:15 PM   #3

†† خادم المنتدى ††
افتراضي

المسيح يبين للرجل استحكام الداء

لم يكن المسيح يقصد فقط تحريك إرادة الرجل نحو الشفاء، بل أراد أيضًا أن ينهض أمام ذهنه وخياله استحكام الداء، إن الرجل تحول بسنواته الثماني والثلاثين إلى صورة مرعبة لما يمكن أن يفعله المرض في حياة أي إنسان، بل لعل الرجل في هذه السنوات الطويلة أضحى رمزًا ناطقًا في كل التاريخ شاهدًا على ما يفعله الشر، وقدرة السيد الظاهرة عليه، ومن ثم أخذ بعض المفسرين الذين يعمدون إلى الرمزية لا يرون في مرضه رمزًا لما هو أعتي وأقسى وأشد، ... وقيل إن الرجل كان يمثل الأمة الإسرائيلية بأكملها، والأروقة الخمسة في بيت حسدا، هي أسفار موسى الخمسة، أسفار الناموس، وفي هذه الأروقة ينطرح المرضى المعذبون المفلوجون العاجزون، وهم لا يجدون في الناموس شفاء من ضربة الخطية، ولعنة الأثم لأن بالناموس معرفة الخطية، ولكنه لا قوة فيه على الشفاء من ضربة القلب، إن الناموس في الواقع أشبه بالقانون في الأمة، ولا يمكن لأمة أن تعيش بغير قانون، وكلما كان القانون صادقًا وعادلاً ودقيقًا كلما كان أقل الناس في الحياة أجمل وأكمل وأقوى، لكن القانون في أي مكان في الأرض لم يمنع الجريمة يومًا من الأيام، فالناس رغم علمهم بالقانون، يكسرونه، ورغم معرفتهم بالعقوبة يرتكبون الجريمة!! ويذهب المفسرون الرمزيون أيضًا إلى أن الثماني والثلاثين سنة، تشير إلى السنوات التي قضاها الإسرائيليون في البرية بعد خروجهم من أرض مصر، أو لعلها تشير إلىعدد القرون التي انتظرتها البشرية حتى يأتي المسيح مخلص العالم!!

وعلى أي حال لسنا نظن أنه كان بين المرضى الموجودين عند بركة بيت حسدا من يصلح أن يكون نموذجًا لقسوة المرض والداء، مثل هذا الرجل، وقد أخذه المسيح كأسوأ مثل لما يمكن أن تتركه الخطية في حياة الناس،وأتعس حالة تحتاج للعلاج، ومن عادة المسيح أن يكشف للضعيف ضعفه العميق، قبل أن ينقذه مما به من وهن وضعف وشقاء، فالمرأة المنحنية من ضعفها قال لها السيد: «يا امرأة إنك محلولة من ضعفك» (لو 13 : 12) والولد الذي جاء به أبوه في أسفل جبل التجلي سأله المسيح عن مدة المرض، لكي يوقفه أمام الحقيقة الرهيبة حقيقة استحكام الداء..

على أن ما هو أسوأ من العجز نفسه، أن الرجل فقد الناس والملائكة معًا: «أجابه المريض يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء بل بينما أنا آت ينزل قدامي آخر» (يو 5 : 7) وليس المجال الآن بحث الماء المتحرك الشافي الذي يحركه الملاك متى نزل، وقد تمكنت هذه العقيدة من الذين يذهبون إلى المكان لنيل الشفاء، ومن المتصور أن حوادث معجزية كثيرة حدثت في بركة بيت حسدا أو «بيت الرحمة» وكان الناس يسرعون بمرضاهم إلى البركة متى تحرك الماء، ولكن هذا البائس لم يكن له «إنسان» ليلقيه في البركة متى جاء «الملاك» فلا إنسان ليسنده، ولا ملاك ليسعفه، وفقد الرجل رجاءه في الناس والملائكة معًا، ولعله فقد الرجاء في الله أيضًا تحت وطأة المرض القاسي الطويل، ويعتقد أن الرجل عندما استمع إلى كلام المسيح، كان أقصى ما يتصوره، أن الشخص الرحيم الذي يناقشه بلواه وشكواه، يمكن أن يكون هو الرجل الذي يهتم به، عندما يأتي الملاك إلى البركة!! إنها مأساة قاسية يمر بها ملايين الناس في هذه الأرض، في رحلتهم المجهدة تجاه الأبدية، وإنها لمأساة محزنة ولا شك أن لا يجد الإنسان على الدرب الممتد الطويلإنسانًا أو ملاكًا يمد له يد المعونة والمساعدة والتعضيد، ولكن الطريق الخالي من الإنسان والملاك نجد فيه صديق البؤساء ورفيق المتألمين الرب يسوع المسيح!!

إن السؤال الذي ما يزال يطوف بالذهن، لماذا طال المرض إلى هذا الحد من الزمن!! ولماذا خلت طريق الرجل من الناس أو الملائكة!!؟ هل يرجع الأمر إلى الارتباط الدائم بين الشر والجزاء، وأن الرجل يمكن أن ينهض مثالاً حياً لنفسه وللآخرين، ليؤكد أنهم لا يمكن أن يجتنوا من الحسك أو الشوك تينًا أو عنبًا، وأن آلام البشر الدائمة لمن يدرك أو يتأمل هي العظة الشاهدة بهذه الحقيقة فيكل الأجيال والعصور، وأن منبر الله ليس في داخل الكنائس وحدها، بل أنه ينتصب في كل منعطف وطريق وموقف ومكان صارخًا في الجميع: «هذه هي نتيجة الخطية»

أم يمكن أن تكون هناك الصورة الأخرى التي رسمتها بركة بيت حسدا، في تزاحم الناس وتسابقهم إلى الشفاء، وكيف يمكن أن يدوس بعضهم بعضًا في حلبة هذا السباق: «بل بينما آت ينزل قدامي آخر»..!؟ عندما يركض الراكضون، ويتسابق المتسابقون مهما بذلوا من الجهد، فإن الكثيرين سيخرجون من الجهاد، وقد قالوا الكلمة المؤسفة التي قالها مريض بيت حسدا!! لقد سبقني آخر!؟ يستعد الشاب للوظيفة التي يحلم بها ويجهز كافة مؤهلاته وأوراقه لها، وفي اللحظة الأخيرة يعود محطم القوى زائغ البصر، وعندما يسأل لماذا هو هكذا؟ يقول : لقد سبقني آخر! يخترع المخترع اختراعه الذي يجند له كل ما عنده من جهد ومال، وقبل أن يعلن عن هذا الاختراع أو يظهره للناس، يأخذه الرعب أو الضيق، وعندما تسأل عن السبب يقول: «لقد سبقني آخر» يذهب الشاب المحب مدفوعًا بالأمل وقد عقد رجاءه على خطبة فتاة، هي غاية أحلامه ومناه، ثم يرجع ممتلئًا بالأسى والأحزان، يكاد يبكي وينتحب، وعندما يسأل لماذا يفعل هكذا... يأتي الجواب: «لقد سبقني آخر» كانت الصورة المروعة التي أبصرها الكابتن سكوت ودونها في مذكراته عن رحلاته إلى القطب الجنوبي، وأفزعته أيما فزع، أن أبصر من على بعد في التيه البعيد علمًا فذهب ليرى هناك علماً أسود لمجموعة قد سبقته، وهلكت في التية العظيم، وكان العلم الأسود صورة لضياع إنسان قد سبقه إلى المكان وما أكثر ما يرفع الرافعون هذا العلم عند الفشل والحاجة والضياع والهلاك، وهم يشبهون المريض القديم في بيت حسدا وقد ذهبت أمالهم على كر السنين، وفوق سريرهم ومضطجعهم العلم الأسود: «لقد سبقني آخر»..

على أن الأمر قد يكون مرده إلى صورة أخرى هي أن اليأس قد يطول حتى لا يلتفت الإنسان إلى إنسان أو ملاك مهما كان صديقًا أو رحيمًا، ولم يعد له رجاء في آخر غير الله، لقد إنحنى الشاعر هوتيمن على الأبطال المتعثرين في الطريق وهو يقول : هناك الأغاني الكافية للناجحين، والذين لمعت أسماؤهم أمام العيون، ولكني أريد أن أغني للمصدوم والساقط، الذي لم يبلغ حظه أو ينته إلى مناه، وهو عند الشاعر يستحق أن نقف لنبكي معه حظه العاثر وصدمته القاسية، وما أكثر الذين يبلغون بيت حسدا بعد الجهد النبيل، والصبر القاسي، ليصرخوا الصرخة المؤلمة القاسية لقد بذلت أكثر مما في طوق الإنسان، وها أنا مقطوع الأمل في النجاح لأنه ليس لي إنسان أو ملاك!!..

لست أعلم بأيه صورة نطق مريض بيت حسدا بقوله للسيد المسيح، ولكني أود لو أن موسيقيًا حول كلماته إلى لحن بكل ما يشتمل عليه اللحن من الحزن والمرارة والتعاسة والبكاء.





  رد مع اقتباس
قديم 03-27-2009, 05:23 PM   #4

†† خادم المنتدى ††
افتراضي



المسيح يعطي للرجل الشفاء الكامل



لم يكن يعلم الرجل عندما فقد «الإنسان» و«الملاك» أنه أمام ابن الإنسان، ابن الله، وهي الحقيقة التي تعطيها لنا القصة لنهتف بها في أذن المتألمين والتعساء والمرضى والمقطوعين والمنكوبين، ولعله من اللازم أن ندرك أن الرجل لم يذهب إلى المسيح، بل المسيح هو الذي ذهب إليه، وأنه عندما تضعف إرادتنا أو تتلاشى، فإن السيد هو الذي يأتي إلينا لكي ينهضها ويحركها، وكلنا أشبه ببطرس النائم في سجنه، ويداه مقيدتان بالسلسلة، وهو غائب عن نفسه، وما قد يواجهه في الغد من مصير، ولكن السيد يرسل ملاكه ليضرب جنب بطرس، ويسقط السلسلتين ويفتح أبواب السجن، ويدفعه إلى الطريق، قبل أن يثوب بطرس إلى رشده، ويعرف ماذا فعل الرب به، وكلنا في وهن إرادتنا وضعفها وترددها، تأتي دائمًا الإرادة الأقوى والأعظم والأقدر، لتنتصر على كل شيء، وتأسر كل شيء لطاعة المسيح!!



قال السيد للرجل:« قم إحمل سريرك وإمش»، ولم يقف الرجل ليناقش الأمر ويسأل كيف يمكن أن يكون هذا، وأنا لا أستطيع الحركة. ولم يتردد ليزن الأمر بالموازين الذهنية التي يمكن أن تقول له إن الفراش هو الذي يحمله، وهو لا يستيع أن يحمل الفراش، كما أنه لم يجادل في أن البركة لم يتحرك ماؤها، وبالتالي لم يأت ملاكها، وكيف يمكن أن ينال الشفاء بعيدًا عن المعتقد أو المتعارف عليه بين المرضى، إن الوجه الكريم الذي أطل عليه، والابتسامة المشجعة المنظورة بين الناس، إذ أنها في الواقع تفتح قلبه وذهنه إلى عالم آخر غير منظور، يتحكم في كل ما هو ظاهر ومنظور، إنها تفتح لها باب القدرة الإلهية التي تحكمها نواميس أعلى من النواميس المعروفة للإنسان، وهي تدعوه إلى الإيمان بهذا الباب والدخول منه إلى الصحة والقوة والحياة!!



لقد أدرك الرجل أن غير المستطاع عند الناس مستطاع لدى الله، وأن المفتاح الوحيد للوصول إلى ما يراه الناس مستحيلاً على الاطلاق، هو الإيمان، ولم يتردد في استخدام هذا المفتاح، وانتقل به إلى عالم جديد يختلف تمامًا عن عالمه القديم المليء بالعجز والضياع والكساح والمأساة والشقاء!!



هل انتهت قصة مريض بيت حسدا!! وهل لا توجد نماذج أخرى يمكن أن تنهض في كل العصور والأجيال لتؤكد أن يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد!! إن كتب الدنيا لا تتسع لعمل المسيح المتكرر مهما اعتقد الناس أنه من المستحيل أن يبرأ هذا الإنسان أو ذاك من المرض الذي أقعده وأشله وقتل حياته وآدميته، طالما أن لنا الإيمان بمحبة السيد الذي يطل على آلام الناس، وبقدرته العجيبة في إبرائهم وشفائهم!! وربما نستطيع أن نعطي صورة أو نموذجًا من واقع قارتنا الأفريقية، عندما جاء روبرت موفات المرسل العظيم إلى هذه القارة، امتلأت حياته بالمعجزات التي صنعها المسيح على يديه ولعل قصة: «أفريكانر» تعد من أعظم الصور للقدرة الإلهية!! قال روبرت موفات ذات يوم لأحد أصدقائه المضيفين: «إني ذاهب إلى مضارب أفريكانر»!! وارتفعت صيحات السامعين إذ قال المضيف: «إنه سيجعلك هدفًا لغلمانه لكي يصوبوا اسهامهم إليك» وقال آخر: «ويسلخ جلدك ويصنع منه طبلاً يرقصون عليه» وقال ثالث: «وسيصنع طاسا للشرب من جمجمتك» وقالت امرأة وهي تتنهد: «لو كنت طاعنًا في السن لكان الخطب هينًا، لكنك شاب تقدم نفسك فريسة للوحش» ولم يعبأ موفات بكل هذا الكلام!... وذهب،... وحدثت المعجزة العجيبة، إذ أن أفريكانر لم يسمح فقط لموفات بالعمل بين شعبه، بل جاء هو إلى المسيح، وتحول الوحش قديسًا، وفي سنة 1819م ذهب موفات إلى مدينة رأس الرجاء الصالح ليرسل تقريرًا إلى جمعية لندن التي أرسلته، ويتلقى تعليمات جديدة منها، ... ورأى أنه لخير العمل أن يصطحب أفريكانر معه، ولكن ذاك كان طريد الحكومة وكانت الجائزة ألف ريال، فلما عرض عليه موفات أمر الذهاب صمت ثم قال: «دعني أفكر وألقي حملي على الرب فإنه لا يتركني» ثم عاد وقال : «أنا مستعد أن أذهب معك والرب معنا». وكانت مسألة مروره في أرض البوير عقدة صعبة الحل، لأن الجرائم التي ارتكبها في الماضي ضدهم تفوق الحصر والوصف. ولكنه أرتدى شيئًَا من ملابس موفات، وذهب معه كتابع بسيط، وإذ وصلا إلى قرية معروفة استضافهما رجل من البوير وسأل الرجل موفات : «من أنت؟!» قال: «أنا موفات» .. «هل أنت خياله؟» «لست خيالاً بل أنا انسان حقيقي» «لا تقترب مني فأنت قد قتلت وقد قتلك أفريكانر من زمن طويل كما قال شاهد عيان رأي عظامك بعينيه» «لست أنا فقط حيًا، بل أن افريكانر قد تجدد بحيث لا يوجد الآن رجل سلام نظيره بين كل القبائل»... «وإن كان ما تقوله صحيحًا، فكم أرجو أن أراه قبل أن أموت، أنا مستعد أن أسافر إلى أية جهة بالرغم من أنه قتل عمي..!»... «لا لزوم للسفر الطويل.. فهذا أفريكانر الجالس بجانبي» فقفز الرجل من مكانه كأنه بوغث بصاعقة «أحقًا أنت أفريكانر» فوقف الزعيم الأفريقي على قدميه وانحنى بكل أدب : «نعم أنا هو» فقال البويري بكل خشوع: «يا إلهي ما أعظم أعمالك، وأي شيء يعجز أمام قوة نعمتك» وقد وصف أحد خدام الله أيام أفريكانر الأخيرة إذ قال: «لما وجد الرئيس أن النهاية قد دنت دعا إليه قومه وحدثهم: أننا لسنا كما كنا متوحشين بل نعترف أننا تعلمنا مباديء الإنجيل فلنسلك بسلام بحسبها، ونحن نعيش مع الجميع.. اتحدوا وكونوا مخلصين لأي معلم يرسله الله إليكم. إن حياتي الماضية ملوثة بالدم، ولكن يسوع سامحني، وأنا الآن ذاهب إليه في السماء.. احترزوا من أن تسقطوا ثانية في الشرور التي تبتم عنها... بل اطلبوا الله فيوجد منكم»



إن المسيح مازال إلى اليوم يتحرك ليواجه أقسى حالات المرض الإنساني بما يصاحبها من أوصاب وأوجاع.. ولكن السؤال الأساسي الهام الذي يضعه أمام كل مريض وقبل كل شيء: «أتريد أن تبرأ»








  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فى لقاء وشفاء السيد المسيح لمخلع بيت حسدا !! admin خاص بخادم المنتدى osama-ava-kirolos 0 05-07-2011 05:01 AM
نفسي تئن مع مريض بيت حسدا. admin صلوات مكتوبة ومسموعة 1 05-17-2010 10:46 AM
بين بيت حسدا و قوة المعمودية - للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان admin أقوال الأباء وكلمات المنفعة 0 03-15-2010 06:06 PM
بركة سلوام admin العهد الجديد 1 09-17-2009 06:03 AM
تفسير إنجيل أحد المخلع admin العهد الجديد 0 03-28-2009 03:55 PM


شات تعب قلبي تعب قلبي شات الرياض شات بنات الرياض شات الغلا الغلا شات الود شات خليجي شات الشله الشله شات حفر الباطن حفر الباطن شات الامارات سعودي انحراف شات دردشة دردشة الرياض شات الخليج سعودي انحراف180 مسوق شات صوتي شات عرب توك دردشة عرب توك عرب توك


الساعة الآن 03:03 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by